11 ديسمبر, 2009

تأملات في الفن التشكيلي والواقع العربي ( الحداثة ومساحة العشق والهوى)(2)






إذا ما تساءلت عن معنى هذا الشكل،
فذلك هو معنى هذا الشكل ،
وفقط بتساؤلك فهو يتواجد كشكل وكماهية وكنه مستقل
إبدأ من هذا الفهم لتعرف حقيقة الشكل والتشكيل . .

عندما يتحرر الشكل من التبعية الرمزية التشخيصية، يظهر وكأنه
يتحرر معها الإنسان ليعالج لغة بناء الشكل لحد ذاته،
وهذا في حقيقته ما هو إلاّ معالجة بناء ذائقتنا




صورة تنظيم هذا الكلام أهديه إلى أعز الناس عندي
.........................................


إنما الأعمال بالنيات .
النية عند المسلم واجبة وهي تـَصدق تقريبا على كل أفعاله .

ذكرت في الإدراج السابق بأن النية والقصد على الإجراء في الطبيعة أو في العمل الفني تقع بين حدّين : حدّ الإمساك(عدم الفعل) وحدّ الإختراق (الفعل) وبين هذين الحدين تقع مساحة سميتها مجازاً مساحة العشق والهوى وذلك للحيوية وللرغبة العاطفية الهاوية الساكنة فيها عند الإنسان .
وفي هاته المساحة بالضبط يقع التردد والخوف من الإقدام والحسم على الإجراء مخافة من المجازفة والوقوع في الخطإ والفشل فتكون نتائجه سلبية وعكسية لما قد يطمح إليه الصانع أو الفنان ، ولهذا السبب بالضبط يُلقـَّن الصانع سِرّ المهنة وتـُدرَّس الفنون في المعاهد والجامعات .

هذا التردد هو شعور إنساني تتراوح درجاته بين جبن المحافظ وشجاعة المغامر الثائر . يتصف به الفرد كما يتصف به المجتمع ، فأنشط المجتمعات المحافظة والطبيعية هي تلك التي تميل ثقافة محافظتها نحوالشجاعة المغامرة فتصفق لكل مغامرة ولكل مغامر ، تصفق للمقدام الشجاع الحيوي وتتغاضى عن الجبان المحافظ .
لكون طبيعة الإنسان تشكيلية مجبولة على التشكيل المتتابع للطبيعة المتجددة الحركة على الدوام ، وهذا ما أدى بالأعمال الفنية عند الإنسان لتتقمص الشجاعة لكونها أعمال تخترق المعهود عند حواسنا وحدسنا للطبيعة لإستعمالها البلاغة والمبالغة ، فتكتسي وتلبس لباس المغامر الثائر الشجاع ، فيذهب الفن التشكيلي بطبعه الثائر يعلن فتوحاته وحبه وعشقة وثورته للملإ ولمحيطه بشجاعة مدهشة ومقلقة ومزعجة بالنسبة لمحبوبته ، وفي بعض الأحيان تصل أعماله إلى حد الجنون ولو عاكسه الوجود والعكس كله ، يعلن حبه ويجهره في هاته المساحة المحددة بحدود( نعم) و(لا) بين (الإقدام) و(عدم الإقدام) .
ومن طبيعة الحال هاته الحدود تفرض شروطها على هذا الفنان المغامر الشجاع ، فيصطدم معها لكون حبه يسعى نحو أنبل الحب هو الحب اللامشروط .
والفنان في هاته الحالة رغم شجاعته وإقدامه وتفانيه في الإغراء بتزيين التنبآت بعوالم الألوان والأشكال والنغمات والأصوات والحركات ، لابد له من أخذ الإعتبار بهاته الشروط اللازمة وإلا سقط سقطة فادحة تتحول شجاعته لتنخره من داخله ، لأن هاته الشروط يفرضها المحبوب( المتلقي) .وخصوصا إذا ما كان المحبوب متحفظ ويرى النبل كل النبل في المحافظة .
ربما هذا ما جعل شعراء الجاهلية يتنبؤون ويبدؤون أشعارهم ببيتين أو ثلاث بالنقر على أوتار الغزل والعشق والهوى لتلطيف مشاعر المتلقي في ذلك الجو البدوي العذري الجاف .

وكم من طائر أتقن بناء عشه فقط لإغراء محبوبته .وكم من طائر شنق في ساحة المدينة .
لأن الفن هو مسرحي مغري مخادع موحي مشوق عاطفي، يهز أوتار مشاعرنا وطموحاتنا يسبح بنا في عوالم حروب النجوم ، ونحب تناغيه لنا لأننا في حاجة ماسة لمن يحكي لنا قصصا مشوقة ومدهشة نرى فيها وجوهنا ،ونظن قد نكون نحن الممثلين فيها ، ولو كانت تلك القصص محكية بالرسوم المتحركة ، أو بإيمآت الظلال البليدة .
لهذا فتصفيق المتلقي(المشاهد) له من الأهمية كالعمل الفني أو أكثر ، لأنه بدون المتلقي (المحبوب)، العمل الفني لا يتواجد ، وإن تواجد يبقى مغموراً، والضحايا في هاته الحالة هما العمل الفني المغمور والفنان المقهور .
ولأن اليد الواحدة لا تصفق .

إن الإدمان والتعود قد يصل ليولد عشقا ، وكذلك هي العادات والأعراف الإجتماعية قد تصل إلى حدود العشق بالإدمان والتعود فتملي شروطها كثقافة على حيوية كل جديد .
وهذا ما يجابهه الفنان التشكيلي العربي الذي يبحث عن حيز موقعه في ثقافة مجتمعه وشروطها
ولأنه فقط بالشرط والشروط كما قلت وانهيت كلامي في الإدراج السابق يتم الحضور، وحضور المعنى للعمل الفني ، وبدون الشروط يصبح الفنان يغرد وحده ، وهذا ما يقع للفنانين التشكيليين العرب الغرباء في محيطهم حالياً ، لأن مفهوم الفن التشكيلي ومعناه الحالي ورد عليهم قريبا وليس من نتاج تسلسل ثقافة المسلمين والعرب ، فاللوحة الفنية لم يعرفها المسلمون وليست من نتاج ثقافتهم ، هي من نتاج ثقافة الكنيسة والأريستقراطية الأوروبية ، تواجدت لضرورة نقل الأعمال الفنية من مكان لآخر ، بدل من إثبات الرسوم على جدران الكنائس والقصور .
وهذا لا يعني الإستغناء عنها ، فاللوحة والتمثال والنصب مجرد أدوات للتعبير شأنها شأن لوح الحرف ، توصَّل الإنسان أخيراً إلى معرفة مزاياها.
وهذا جانب من الجوانب التي دفعت الفنانين العرب بإتباع سياق الفن الموجود خارج محيطهم ، فبدل من التدرج من الحب المشروط إلى الحب اللامشروط لأن واقع البلاد ومجتمعاتهم يفرضه بإلحاح يتبعون قانون الحب الوارد عليهم فيرتطمون بالجدار مرة تلوى الأخرى ويصعقون بدون فائدة تذكر .
ما قد يشاهده الناقد المتمعن من خارج اللوحة العربية ، أن حالة الفنون التشكيلية العربية ، هي نوع من البهرجة والهلوسة وعلم الغيب والتقليعات الواردة الزائفة .
لا أقول هذا الكلام جزافاً أو من فراغ ، فما يلاحظه المتتبع للفنون التشكيلية في السنوات الأخيرة هو حجم غيابها في الساحة العربية ، والبلاد والإنسان العربي يمر بأقسى الظروف والمراحل من إحتلال وفواجع متكررة سواء في المشرق أو المغرب .
وذلك لأن الفنون التشكيلية العربية إستحوذ على تسييرها التبابعة من العرب الذين ربطوا مصيرها
بالفهم الأجنبي .فغيبت وأبعدت هاته الأداة الناجعة في رسم الصورة البلاغية المحسوسة من طرف الجميع لفضح الإجرام والبغاة ومحاصرتهم .
لذا تظهر من حين لآخر دعوات صادقة تدعو إلى ضرورة إعادة النظر في مغزى الفنون التشكيلية وعلاقتها بإحتياجات الإنسان .
وضرورة عقلنة قراءة الفن التشكيلي بالصدق في الرؤيا ونقل الصورة ودعوتها بالتواضع والنزول والعودة إلى الأرض عل ذلك يساعد بعقلنة أحوال الإنسان .
والعقلنة لا تبدأ إلاّ بفهم شروط المتلقي المحبوب ، لأنه جزء من العمل الفني .
فالشرط والشروط هي لازمة في العمل الفني لأنها ميثاق صلة بين الفنان والمتلقي
وفقط برضى وتقييم المتلقي للعمل الفني يتواجد ويحضر العمل الفني وتجري في عروقه الحياة،
غير ذلك اللوحة الفنية لا تصلح سوى لتغطية حفر الحائط إن علقت عليه .
-2
في تلك السنوات الجميلة الحيوية بداية السبعينات تنبه مجموعة من الشباب المغاربة لأهمية العودة إلى الأرض والجذور في بناء الكلام المسرحي فالتقطه مجموعة من الشباب المتحمسين للغناء سموا نفسهم
بناس الغيوان ، كان لي الحظ الإلتقاء بهؤلاء الشباب لمدة أسبوع أو لا تزيد فشاركت معهم في مهرجان للشباب العربي بالجزائرأو بتونس- لا أتذكر- كبعثة مغربية أنا كنت أمثل الفن التشكيلي هم كانوا يمثلون الغناء .
آنذاك كنت متيقن بأن العودة إلى جذور المتلقي سيكون له إنتشار وتجاوب مع الشارع المغاربي ، وفعلا هذا ما حصل مستقبلا ، مع الأسف الشديد الفنون التشكيلية آنذاك لم تعرف كيف تبدأ وتلتقط الفكرة فتفرقت جهود التشكيليين المغاربة لأسباب موضوعية ،
ولأن الفنانين التشكيليين المغاربة الذين كانوا يتحركون آنذاك في الساحة المغربية لم يستطيعوا أن يستوعبوا معناهم فكانوا مجرد أداة قياس يقيسون حاضرهم ليس بماضيهم فماضيهم كان غائبا عنهم بل بالوارد عليهم من الغرب .

أتيت بهذا المثال لطرب ناس الغيوان لأن تفاعله تحقق على أرض الواقع .
هل كان هذا التيار الموسيقي المغربي الشعبي في مستوى الفنون النافذة إلى التاريخ ؟ طبعا نعم .
لأن درجة الفنون يقدرمستواها الفني والبلاغي بمستوى تفاعلها وتجاوبها في محيطها .
فالفن كمتكلم بإسم الثقافة لا يدخل من باب التاريخ الواسع إلا إذا ما إلتصق وعبر
عن عبقرية الإنسان المحبوب وهموم واقعه والأرض .
وهذا ما فعله التيار الموسيقي الشعبي المغربي ومن تبعه

بالنسبة للفنون التشكيلية العربية يجب عليها أن تعقلن خطابها ليتمكن القارئ العربي من فهمه ومسايرته بالتشخيص أو التجريد ، لا يهم ، ما يهم هو عقلنة ومعرفة الخطوط والأحجام والفراغ والألوان المفضلة عند الإنسان العربي المتلقي وتهذيبها وصقلها بالإغراء البصري سواء كتشكيل في حد ذاته في اللوحات أو المنحوتات أفي الأدوات واللباس وشكلها ولونها أو في المجال والمعمار .
إن معرفة هاجس المتلقي شرط أساسي للعب بالهواجس في الفنون سواء كانت أدبية أو مسرحية
أو موسيقية أو تشكيلية .
والفنون التشكيلية العربية إن أرادت ولوج الواقع والتاريخ يتحتم عليها الإرتماء في بحر واقع الإنسان العربي .






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

0 التعليقات: