19 نوفمبر, 2009

الفواجع العربية التي لا تعرف النهاية


صورة نسيتها كنسيان الأكباش لفواجعهم ، وصلتني أخيرا من طرف أخي فتعرفت عليها.

منذ أن رسمت هاته الصورة من وحي غرنيكا البيكاسيانا سنة 1982
بمدينة الحسيمة ، كتعبير عن رفضي للفواجع في حق الإنسان العربي ،
ولحد الآن والفواجع ما زالت تتحين وتتلاحق وتتناسل في حق هذا الإنسان ، ولا أحد يعرف كم
ستدوم هاته المصيبة وهذا البلاء المسلط على الإنسان العربي ومتى
سيقع الحد لهذا المسلسل الفضيع
.
اللوحة معلقة في مقر جمعية حقوق الإنسان بمدينة الحسيمة
.
في أسفل الصورة مجموعة من الزوار لهذا المقر




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 نوفمبر, 2009

تأملات في الفن التشكيلي والواقع العربي (الحداثة ومساحة العشق والهوى)





لقطة من الشريط السينيمائي : أولاد البلاد، للمخرج المغربي

محمد إسماعيل






...........................................


تطرقت في إدراجاتي السابقة إلى عنصرين أساسين في الفن التشكيلي وهما عنصر الزمان وعنصرالمكان .
ورأيت - حسب فهمي - كيف عرَّف الإنسان العربي الزمان مع إبن سينا ز(1\2) ، التعريف الذي مازال ساريا عند الإنسان المعاصر يستعمله في علوم الرياضيات والفزياء ، وكيف تنساب سيولة الزمان وارتحال تواجد الإنسان .والأهم كيف يرى الإنسان العربي الزمان ويتعاظم في وعيه في عصور الإستكانة والإنحطاط ليتحول دهراً إن لم أقل دهراً داهراً كالتشخيص الهندوشي (السند هند)(1) في وعيه المشخص للدنيا والآخرة ، وأخيرا كيف يشخص ويتوهم الإنسان الزمان في الفن التشكيلي عبر الحركة الخيالية للخطوط والسطوح والأحجام المولدة للفراغ .
أما في ما يخص مفهوم "المكان" أشرت- ودائما حسب فهمي- إلى مركزية إنية الإنسان وكيف ترى الكون حولها كدور لا نهاية له. وأن هاته الإنية تبحث بدون كلل عن مكانتها كمقام (مكان) في تجاذب مستمر بينها ومحيطها ، فهي تؤثر فيه وهو يؤقلما ويحدد سلوكها ، وأشرت أن من له الثقة في النفس والقدرة على الإجراء يكون هو المتمكن والمصيغ للأشياء بإحداث التغييرفي التواجد ، وفي إستعمال المكان لصالحه ، وأنه بدون الثقة والإعتماد على النفس لا يمكن التجديد ولا يمكن تكييف الطبيعة والتغلب على تحدياتها .

في هذا الإدراج إرتأيت أن أستعين بإدراج سابق ، كنت قد عرضته في السنة الماضية تحت عنوان : الحداثة في بلادي . كتمهيد لموضوع " مساحة التجديد والإبداع " أو(مساحة العشق والهوى) كما أسميها أنا التي سأتعرض لها في هذا الأدراج . ويمكنني القول والجزم اليوم أن التجديد والإبداع هو الموضوع والإشكال للعقل العربي الحالي بإمتياز ، والمنهك لفطنته في الحاضربسبب التحديات والإكراهات الجمّة التي تتعرض لها المنطقة العربية أنظمة وشعوبا .
فالكل في المجتمعات العربية ينادي ويطمح لتخطي الواقع الساكن، سواءالأنظمة القطرية أومعارضيها ، كلهم ينادي بالإصلاح والحداثة والديموقراطية وبالأصالة والمعاصرة وحقوق الإنسان…والمفاهيم المرافقة … وكل يلغو بلغاه والتحدي واحد .وهو الخروج من عنق الزجاجة -كما تقول المسرحية المصرية –.
والملاحظ كذلك أن الغربيين يعرفون هذا الوضع ويستعملونه كورقة مربحة للتعامل مع العرب .

الحداثة في بلادي
الحداثة والديموقراطية ، الأصالة و المعاصرة ، كلمات ومفاهيم أصبح تكرارها ورنين صوتها في أذان السامع العربي والمغربي على الخصوص ، كصوت الآذان من عُلوّ الصوامع يصدح ولا سامع ، يُسمع ولا يُبالى بمعناه ولا بجدواه ، فيدغمه السمع على سطح طبلة الأذن الخلفية فينتشر على غشاء الوعي ليصبح رسماً إعتياديا في المشهد المغربي .
رغم التطبيل والتزميرفي الإعلام المغربي للحداثة لا أحد تجرأ وعرف المغاربة بالطريق القاصد إليها ، فألصقوا معناها إستجابة لقهر الواقع والزمن ، رغبة في التغلب على المعاناة بالتعويل على التنمية الإقتصادية والبشرية .
ـ فهل الحداثة هي كما يعرفها الألمان او الفرنسيون أو الصينيون أو الماليزيون أو ألأمريكان أو غيرهم …..؟
- أم هي العصرنة التي عرّفها الإستعمارلنا بمفاهيمه ليثبت تواجده ؟
ـ أم الحداثة هي التغيير للفهم والذوق واللغة والترغيب بالتشبّه بالغرب لأجل مخاطبته ومسايرته ، علّ وعسى يقبل بمشاركتنا في الجري ورائه ؟
ـ أم هي شيئ آخر؟
حسب فهمي :
يقال بأن بداية الحداثة في التاريخ تبدأ مع بداية العلاقة المتجدّدة والمتفاعلة والمتبادلة بين المعارف ومرجعيات العلماء من جهة والمجتمع من جهة أخرى ، فالعلماء يستقون نظرياتهم من مجتمعهم والمجتمع يحتكم لنظريات ومعارف علمائه .
من هذا تكون عملية الإحتكام في الإجراء والتغيير يعيدها المجتمع لنظريات العلم والعلماء ، بينما نظريات العلم والعلماء تستقي مفاهمها ومعايرها الجديدة من مخاض وتحركات ومتطلبات المجتمع .
بإعتبار أن هذا التفاعل الخفي والمستتر المنظم للقوانين والسلوك والأعراف لا يقع إلا في الدولة الحديثة . خلاف التجمعات البدائية التي لا يرقى فيها التعايش إلى نظام هذا التفاعل .
حسب هذا الفهم لهذا الإرتباط الثنائي تتشكل الحداثة ، فإذا ما إنفصم هذا الإرتباط ،إنفصمت الحداثة .
مثال بسيط يجيب عليه هذا السؤال:

هل قوانين السير والطرق وقوانين البناء قرب الشواطئ في البلاد العربية أو قوانين الصيد مثلا كانت نتيجة دراسة قام بها علماء العرب لجغرافية عقل المجتمع العربي في إستيعابه للمكان ، أم أنها قوانين مستوردة ، فإذا كانت القوانين مستوردة ، تنتفي معها الحداثة .
ربما يكون هذا هو معنى الحداثة ، لذلك نجد أعداء الدولة الحديثة يلجؤون لإفقارها بالتمكن من علماء جامعاتها ومن لغتها ، ( ومثال العراق شاهد أمامنا ، فبعد إحتلاله أغتيل آلاف من علمائه ظلماً ، حتى لا تقوم قائمة للدولة الحديثة في ربوعه مستقبلاً ، ويعم البؤس والفقروالجهالة والتناحر ليسهل إستعباده ) .

ولما كان مفهوم الحداثة مرتبط بالتجديد المساير لقانون الحياة ، فشا وانتشر في ألأوساط الثقافية والإعلامية فأصبح كـ”ميتو” سحري معاصر تتطلع إليه المجتمعات الركيكة وتفتخر به المجتمعات الأحسن تنظيما .
فربط بعضهم بداية عصر الحداثة بالثورة الصناعية الغربية بسبب طاقة الفحم الحجري وما تبع ذلك من مفاهيم ومعايير في الصناعة ، لكن ذلك يدخل في خانة مسار التاريخ الغربي ، وكذلك هو شأن القائلين بزمن ”ما بعد الحداثة ”، ويدعون بالعولمة ونهاية التاريخ /وصراع الحضارات ،أو إلتقاءها …. فإنهم يؤرخون لزمانهم ولغلبتهم وخصوصا بعد أن إمتدوا على البلاد الإسلامية وهم يقارنون إمتدادهم ضمنيا بالإمتداد الهيليني في التاريخ القديم أو ما يسميه المؤرخون العرب بالروم الأولى، و مقتنعون بأن أصالة ثقافتهم تبتدئ وتعود إلى القبائل الهيلينية التي كانت حملاتها على بلاد المشرق إحدى الأسباب في إنقراض ثلاثة ألف سنة من الحضارة المصرية والعراقية القديمتين وإلى الأبد .
من هذا يمكن القول : وكما لا يمكن للثقافة العربية الإسلامية أن تسمي الفترة الزمنية بين القرن الرابع عشر والسادس عشر الميلادي بعصور النهضة ، لأنها كانت بداية عصور إنحطاطها ، كذلك لا يمكن لها الدخول في زمن ما سُمّي بزمن ( ما بعد الحداثة ).
فإذا ما إعتبرنا الحداثة هي ثورة دائمة متجددة ومبدعة همها التغلب على التحديات التي تواجه التجمعات الإنسانية ، وتأتي كنتيجة سباق في توحيد الجهود والنظام لأجل إيجاد الحلول الذكية في خلق الأشياء وما يتبعها من مفاهيم العلوم والفنون ، وذلك، لأجل الولوج إلى نظام التنمية المستدامة والسعادة والعدالة الإجتماعية المتوخاة .
فعلى مستوى الفرد المُحدِث ، تكون الحداثة هي الحضور والإجراء لإحداث الحدث ، إحداث حدث جديد ، حدث لا يصلح ولا يرمم ، إنما يوقع الجدّة في الشيئ المُحدَث ، لا يعتمد النقل عن الآخر لأن ذلك يعتبر محرم لدى المحدثين فهو سرقة جهد ، ولا يتقاعس في ماضيه ولا يقنع بحاضره ، وإلاّ لأصبح الحدث مجرد تكرار للآخر وللذات ، فينفي بذلك جدة الحدث ، وفرحة التغلب على التحدي .
إنها عملية الإبداع .
من هذا الفهم يصبح تساؤلي قائما وموجها لدعاة الحداثة في بلادي :
هل بإستطاعتهم تهييئ الأجواء المناسبة لخلق الأشياء والمفاهيم وتوليد المشاريع والأحداث الجديدة والسعيدة بالسرعة المناسبة ؟
هل بإستطاعتهم أن يتبوؤوا الصفوف الأمامية في القافلة الراسمة للأحداث في المجتمع الإنساني ؟
طبعاً يمكن لهم ذلك بشروط كما أراها أنا كفنان تشكيلي :
1ـ الحرية التامة في عملية الإجراء.( الإبتعاد عن النصيحة )
2ـ الثقة في النفس وفي القدرة على تحقيق الحدث.
3ـ الإلمام التام والشامل لجوانب صياغة وتحويرمقاصد موضوع الحدث.
4ـ شخصنة اللغة والأسلوب في صياغة الحدث .
إنه نهج يحتاج إلى إنقلاب في الفهم لدى القادة والساسة ونخب المجتمع ، إنقلاب فكري يستغني عن المفاهيم البالية لأجل بناء المفاهيم الجديدة لا هي شرقية ولا غربية ،ولاهي شمالية ولا جنوبية ، يبني ويبتعد عن الإتكالية المغروسة في النفس عبر تاريخ الضياع ليقود مساره الحر في الزمن الحاضر ، زمن السباق والتباري : الصناعي والتجاري والإقتصادي والثقافي . قد يخطأ ، فيشفع له الخطأ ، لأن الخطأ فقط يقع مع الإشتغال .
قد يقول قائل : فهم خيالي لا يتحقق إلا في الوهم والحلم لكثرة وتشعب العقد في المجتمع .لكن الأشياء قبل أن توجد ، كانت رسما بعد حلم .
المشكل أن شقاءنا يكمن في سير أنظمتنا فهي لا تنحو في برامجها نحو الخلق والتجديد والإبداع والإعتماد على النفس، بل ترتبط كليا بإستيراد المفاهيم وأسباب بقاء نظامها كحكومات وكأنظمة لا كدول مستغنية عن غيرها ، لذلك يسهل التلاعب بتماسك ومقدرات شعوبها من الخارج.
المكبرون بالحداثة من صوامعهم في بلادي لا يعون ما ينادون به ، وإلاّ لتواضعوا . لذلك يهرب التجار التبابعة والجهلة الفرانكفونيون عندنا للسقوط في التبعية الهيلينستية الجديدة لإغرائها ولسهولة عملية النقل كطعمة للإنحباس في نهجها ، ويسمون سقوطهم هذا بالحداثة ، والحداثة منهم براء .
إنتهى.
……………..
- 2 -
التجديد لا يعني الإصلاح ولا يعني الترميم ، يعني الـِجدَّة ، يعني إحداث شيئ جديد ، طريق جديد .
والإبداع هو إستعمال العقل والذكاء والفطنة الجمالية لإحداث الأسلوب الخاص والفريد لبناء الطريق الجديد .
وبهذا ، فالتجديد والإبداع هما زوجان قلما يفترقان ، وهما سلاح الإنسان ضد إكراهات واقع الطبيعة التي تدهشه بكبرها اللامتناهي وبصغرأجزائها اللامتناهية ، وعندما يتغلب الإنسان ويُسخّر جزء من الطبيعة لصالحه ينمحي جزء من الدهشة .

والتغلب على الطبيعة في المجتمع يعني التغلب على الفقروالجهل والمرض ، وهذا التغلب لا يقع إلا في حلبة
يحتدم ويتصارع فيها وجها لوجه إجراء التجديد والإبداع المعرفي والفني ضد حالة التماسك المحافظ والإستكانة للطبيعة ، حيث التجديد والإبداع يحاول ويسعى بمغرياته لصق بصمات أجزاء من النبوءات السعيدة في جسم تحديات الإستكانة والعرف ، وهاته تتماسك برزانتها وعفتها - إن سمح الخيال - ضد مغريات الشوائب الغريبة عن بنيتها ، فيحتدم الصراع ، و كما هو متوقع في كل صراع وعناد دائما يسقط ضحايا ،. فالإنسانية عرفت وشهدت عبر تاريخها ملايين من البشرالمجددين والمبدعين الذين سقطوا شهداء عشقهم وهواهم نسياً منسياً ضحايا غلو التماسك المحافظ ، كما أنه عرفت الإنسانية إنقلابات نوعية في الفهم والتذوق للجمال .
والنبوءات السعيدة ما هي إلا إكتشافات لطرق قاصدة للتغلب على التحديات ، كإكتشاف الطفل لمساحة المربع تساوي الضلع في الضلع ، فتصبح العملية في وعيه المنطقي سلِسة وسريعة للغاية، فأي مربع كيف ما كان صغره أو كبره في وعيه ستساوي مساحته الضلع في الضلع .

والملاحظ أن المرونة والسلاسة عند الطفل مرتبطة بإندفاع نمو ونشأة الطفل ، رغبة طبيعية لنشأة الحياة وتحديها للخارج ، وتنتج عنها الشطارة والحيوية التي تتمتع بها الناشئة (الحيوانات والإنسان ) .
ولهذا فحطب هذا الصراع المشار إليه تتشخص بنيته الأولية الصغرى – إن صح التصور- بين محافظة الآباء وتطلعات الأبناء ، أي في صراع التتابع للأجيال ، وهو سنة طبيعية تتجدد بها الحياة ليس إلا .

ومن الأهمية في زمننا الحاضر الإستدراك والإشارة بأن هاته السُّنة الطبيعية المتجددة تدرسها وتستعملها وتستغلها ثقافة المجتمعات الأكثر نظاما وتماسكا(الشمال) في معالجاتها لإشكاليات التجديد المتتابع المستدام لصالح عنفوان مجتمعاتها ، في كليات ومعاهد الفنون المختلفة ، فتعتني بحرص شديد يُحسد عليه بتنظيم تدرج الأساليب الفنية عبر تاريخها ، كما تعتني بتوجيه وتنظيم تقليعات العشق والهوى والجمال في فنونها ،فيفيض إعتناؤها لتبهر غيرها في إمتداداتها على ثقافات المجتمعات المنفصمة الشخصية والأقل نظاما (الجنوب ، الأقطار العربية ) فتراها تستغل إنبهار الأبناء في هاته المجتمعات وتطلعاتهم للعشق والجمال ضد محافظة الآباء البالية ، بإسم والتحرّر وتزيين العالم والحداثة والمفاهيم التابعة ، فتبدو للوهلة الأولى كمخرج وكمتنفس للعوالم الرحبة ، لكنها في حقيقتها تحدث شرخاً وقطيعة تشبه حالة الخصيان تجتث منابع إرادة الإنسان وثقته في نفسه عندما يحين وقت الإشراع . كما نلاحظه عند العرب التبابعة المتسلطين حاليا على إدارة الفكرالجمالي للبلاد والعباد، والذين لا يستطيعون تذوق الجمال بدون مرجعياتهم البعيدة كل البعد عن الأرض وطبيعتها ومناخها وخصوصية جمال الإنسان فيها ، أما التجديد والإبداع وبناء الأساليب الفنية الخاصة لسلوكيات مجتمعاتهم فهذا غائب عن وعيهم أصلاً . فوقعت بسبب ذلك الفوارق العظيمة في المجتمعات العربية وحدث برزخ سحيق بين النخبة المرتزقة والشعوب المغلوبة على أمرها فتعاظمت بسببها الأمية الجمالية في البلاد العربية لتصل - وبدون مبالغة - إلى أكثر من مائة في المائة من مجموع السكان . فتغلبت الركاكة والعشوائية في الذوق الجمالي في الحياة الإجتماعية وكأن الناس خُلقوا وجُبلوا على السذاجة والركاكة والبهرجة والتعايش مع القبح " الفتيشي " .

غايتي ليست الكلام عن الصراعات الفكرية الثقافية الجمالية بين الأقوام ولا عن الوباء (الجميل الغريب ) المسلط على بلاد العرب والإسلام - وليست غايتي التطرق إلى خفايا البناء في الفن التشكيلي ، فالفن التشكيلي ليست له خفايا ، فإناؤه يطفح بالإشراع بما فيه ، كلامي سيقتصر وسيخص معانات الفن التشكيلي العربي في نقد ذاته ، وما دام سكوته الحالي يعني الرضى فلن تظهر العلّة الكابحة والمانعة للتطور التسلسلي الجمالي عبر الزمان في البلاد العربية الكسيحة بأمراضها الموروثة المزمنة أو الواردة المتسلطة عليها .
وغرض هذا الإقتصاد كذلك هوتجنب التيه مع أمواج التقليعات التشكيلية الإستهلاكية في العالم السابحة حول المركزية الجمالية الغربية لقوة تياراتها الجارفة بإعلامها المرتبط بالفن الإستهلاكي الذي يشكو منه أغلب الفنانين والنقاد في العالم .
.
بعد هاته الإشارة الملزمة التي كانت تثـقل بالي بحضورها في اللاوعي ، والتي قد تظهر متهافته بإعتبارخصوصية آنية الزمن الحاضر المغلف بالنكهة الهيلينستية ، لكنه كما نعرف ، الزمن وحدة متكاملة تحضر فيها تراكمات الماضي وآنية الحاضر وطموحات المستقبل ، فلا يُستوعب الزمان إلا كبنية ثلاثية الأثافي . فمعالجة الطموحات المستقبلية ترتبط قسرا بالإرتباطات الآنية والماضاوية .حيث النكهة الهيلينستية ماهي إلا غلاف زائف كما عرّف لنا التاريخ ذلك .
وأعود لما أنا بصدده :
وكما هو معروف فالثقة في النفس عند الإجراء لا تتأتى إلا بالإلمام بطريقة إحداث الشيء مع حرية الحركة في إختيار توقيت الإجراء ، كالثقة في النفس التي يتمتع بها الصانع للشيئ(النجار) ، فبدونها لا يستطع النجار إقناع زبونه ، فتطغى هاته الثقة لتصبح ثقة متبادلة بينه وبين زبونه.

والإجراء في الطبيعة هو إختراق لتحدياتها ، وبين الإمساك والإختراق يقع فاصل مساحة وحيز يملؤه الإستعداد ، وهذا الإستعداد يقع بين الإجراء وعدم الإجراء ،بين نعم ولا ، بين السكون والفعل ، بين إحداث الحدث أو عدم إحداثه بين التجديد والتغيير للواقع أو السكون والرضوخ إليه ، وبين الصورة وبياض اللوحة وبين تكسير ونقش الحجر والحجرالطبيعي قبل نقشه وتكسيره.
ومساحة هذا الفاصل هي حلبة الفن التشكيلي وباقي الفنون ،تسكنها النية والعزيمة والرغبة والتحدي والشجاعة والحزم والنهم والعشق والهوى والغواية والجمال وهو الحيزالذي تتحير فيه العقول والعزائم منذ القدم وفيه يقع التشاؤم والتفاؤل والحزن والفرح والنشوة ، فقبل الخروج إلى البحر أو إلى القتال - يقع التردد في هاته المساحة - يُستشار الخبراء والمنجمون علّ الطبيعة والنجوم توافقهم وترافقهم وتساعدهم مع نية القصد والعزم والتوكل على الله .
هذا الفاصل الذي يخيف رؤساء الدول والمؤسسات الإقتصادية الكبرى والأفراد يُدرك ويُستوعب ببنيته في الفن التشكيلي فبدونه يسقط الفنان التشكيلي في تكرار نفسه ليصبح عمله آلي ،مجرد تعب في تعب ،لا يستسيغه وينتشي به هو ، ولا يستسيغه غيره ،لأنه بإستسهال هذا الفاصل يقع التكرار المُمل ، فرغم صورة الإغراء والجرأة والغوايه التي قد يستعملها الفنان تبقى الكلمة الأخيرة تنعكس في الإستحسان والتصفيق للإجتهاد ومدى الإعجاب والعشق لدى المشاهد .
فأبغض شيئ عند الإنسان بعد السجن ، هو أن يحفر الأرض لأجل الحفر دون أن يعرف لماذا يحفر .

إذا ما كان الإستعداد والهدة والإستشراف والخوف لما قد يقع- لغياب المنجمين - بإحداث الحدث في العمل التشكيلي . هو الشعور الذي يقع في الفاصل المذكور ، فهذا لا يقع إلا بين حدَّين يفصل بينهما ، فتكون هناك حدود ومن جراء تلك الحدود تتولد الشروط ، فبدون الحدود والشروط تنعدم الأصالة في العمل الفني بإنعدام الشرط اللازم بين الفنان والمتلقي ، ولأنه فقط بالشرط والشروط يتم الحضور وحضور المعنى للعمل الفني ، وبدون الشروط يصبح الفنان يغرد وحده ، وهذا ما يقع للفنانين التشكيليين العرب الغرباء في محيطهم حالياً .

فما هي الحدود وما هي الشروط في اللغة أولاً ثم في التشكيل ؟
………………
عند هذا الحد ساقف حتى لا أثقل عليك وفي إحدى إدراجاتي القادمة سأتساءل عن ماهية الحدود والشروط في اللغة أولاً ثم في التشكيل ِ بالبحث عن نجمتي " الشرطين" اللتين يقول فيهما إبن عاصم (وعند حلول الشمس بالشرطين يعتدل الليل والنهار ….) فسميت النجمتين بالشرطين على ما أظن لوقوعهما بين حدين .

فإذا كنت عاقل أيها القارئ الكريم لا تصدق كلامي ، إفتح المجال لعقلك ليعقل نفسه فذلك هو غرضي من كل هذا الكلام .

…………………………………………………………………………………..

(1 ) - السندهند : إتجاه مدرسة زيجية فلكية متبعة في علم الفلك العربي الإسلامي الأول قبل ظهور زيج الممتحن المأموني (نسبة إلى المأمون العباسي )
لغويا : عن إبن هشام اللخمي ، المدخل في تقويم اللسان ، المراجع الأندلسية ," يقولون دخلنا الهند
يعنون بلاداً ، وإنما الهند جيل من الناس ، ومنه قيل بلاد الهند ، فأما السٍّنْد هِنْدُ فمعناه في ما ذكر أبو معشر: الدَّهر الدَّاهر .
أبو معشر: أحد كبار الفلكيين العرب




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

06 نوفمبر, 2009

ماريــانا





Mariana

لقطة من الإستعراض السابح
على شريط الحياة
……………
……………
……………







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

27 أكتوبر, 2009

مصر تبحث عن نفسها


مصر تبحث عن نفسها


اللوحة للزميل الفنان المصري : أحمد نوار



لإعتبارات تاريخية تخص مصر وتطلعات شعبها التي هي نفس التطلعات لباقي الشعوب العربية الواقفة على مفترق الطريق تترقب إنطلاقة الإندفاع في الإتجاه الصحيح للتغيير .
أحتفظ وأدرج هنا كلام منقول عن ثلاثة مواقع ولثلاثة رموز مصرية معروفة :

-الأول: لمحمد حسنين هيكل ، تحت عنوان :تمهيد واجب لحوار مفتوح \ منقول عن موقع الكادر العراقيhttp://www.alkader.net

- الثاني :لمحمد عبدالحكم دياب ، تحت عنوان : هوامش على كتاب البابا شنودة الثالث وتأييده
للتوريث\ عن القدس العربي ،http://www.alquds.co.uk/

- الثالث : للدكتور محمد عباس ، تحت عنوان : إني أتهم "1" الدولة تتنصر|، عن موقع د.محمدعباس .http://www.mohamadabbas.net/

(ادخل إلى مدونة الرشم بالنقر على العنوان)




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

08 أكتوبر, 2009

الإنية والمكان -4-





(نفي المقام هو المكان )
إبن عربي (5)






.............................................................


مركزية المقام.

1 -
مركزية المجال في الطبيعة فقط يتم تصورها كإنعكاس لمركزية إنية الذات الشاعرة والمتمكنة في المكان الفزيائي( المقام ) كنقطة محددة في عالم لامتناهي ، وذلك لغلبة التوهم الحدسي على الإدراك الحسي عند الذات لنفسها كوضع وكجوهر وليس كعرض ناتج عن جوهر أو شيئ آخر . هذا ما أشرت إليه في إدراجي الأول للإنية والمكان بمعالجة مشاهدة النقطة .
حسيا مركزية إنية الذات تتجلى في النبض المتتابع لسريان الحياة وفي غريزة الدفاع المستميت في سبيل البقاء ضد الأعراض الخارجية كما نلاحظه في الخلايا الحية عندما تسارع الزمن لإقفال نزف الجرح ، لذا تشعر النفس وكأنها مقر الإعتصام والتحزر الأخيرلإنية ذاتها الرقيبة المتحسبة الخائفة إزاء التفاعلات الخارجية المضادة المجهولة ، يشعر بها أكثر من غيره المستلقي على فراش الموت.( إنها النهاية ، نطق بها أحد معارفي وشهد على نفسه ويده في يدي قبل أن يتوفى ، فمات شهيدا)
حدسيا وانطلاقا ً من زاوية نظر إنية الذات تراها تظن نفسها مركزاً لمقامها بجميع أبعاده ، فتتمثل على الصورة المتخيلة في نقطة مركز الدور وانطلاق إشعاعاته ، وذلك يرجع إلى اللامحدودية للمجال الكوني ، فكلما حددنا مجالاً حولنا إلا َّ وهذا يتشكل داخل مجال ثاني ودواليك وصولا إلى المجال الكوني اللامحدود .
هذا على ما أظن ما دفع الفكر العربي القديم والحديث مع الفرابي(1) لتنظيم الأسبقية في الكمال والتواجد وإعطائها أولاً لله ، وثانياً للثواني وهي الأجسام السماوية المتحيرة (الكواكب)(2) ، وأخيرا للعقل الفعال عند الحيوان الناطق (الإنسان) .
زيادة على ذلك فأوليات الحدس تنطلق من معلومات (جينية) موروثة ، تقريبا كالعاهة الموروثة عبر الأجيال لعائلة ما ، قطي الصغير ذو الثلاثة أشهر يهرب من الدخان وكأنه يتنبأ خطر النار والإحتراق .

تقريبا جميع الدراسات الحقلية التربوية المتعلقة بنمو الوعي لدى الطفل ما بين الرابعة إلى الثامنة من عمره، تبني معطياتها على المستجدات الملاحظة للتطورات الحدسية والحسية الحاصلة لدى الطفل عبر إجراءات وتمارين يقوم بها ، سواء بالمقارنة أو المماثلة أو عمليات الجمع والطرح للمواد المقدمة إليه كانت صورا ً أو أحجاماً .
بإعتبار أن الحدس والحس هما المنفذين للذات الشاعرة بنفسها أمام المستجدات الخارجية ، وبالتالي هما القاعدتين الـَّتين ينطلق منهما ومن خلالهما الوعي ليعالج بعد ذلك حلولاً منطقية تجريدية لهاته المستجدات عند إقتراب الطفل لسن السابعة .
فتبين من أن هاته الحلول ما هي إلاّ خلاصة معالجة المسافات الزمنية والمجالات المكانية بين الوحدات المرتبطة سواء بالمقارنة أو المماثلة أو عمليات الجمع والطرح داخل وحدة الزمرة المُـعالجة من طرف الطفل ، وأنه عندما تصبح العلاقات بين المسافات الزمنية داخل وحدة الزمرة غير متغيرة في قناعة الطفل ، يتمكن هذا بالإعتماد عليها كثوابت ، فيبدأ وعيه في إنطلاقته ليباشر الإرتباطات المنطقية التجريدية وابتعادا عن الإنعكاسات الذاتية الحدسية العشوائية والحسية الغرائزية.
من مقال للدكتورة مريم سليم (3) تقول في هذا السياق : " إن العمليا ت المنطقية الرياضية الفراغية –الزمنية يضعنا أمام مشكلة مهمة جدّأ بالنسبة للأوليات الخاصة . ففي الوقت الذي تصبح فيه العلاقات الزمنية وحدة واحدة وعندما تصبح عناصر المجموعة غير متغيرة وعندما يستطيع الطفل أن يرتب الأشياء إنطلاقا من مقياس معين ، فإن هذه تشكل فترات مهمة جداً على مستوى تطور الذكاء ، إذ يحل الشعور بالتكامل محل التخيل العشوائي وتظهر الحاجة للوصول إلى نظام مغلق ومرن في الوقت نفسه ."
إذا ما كان عبر الحدس والحس يتم تقييم تدرج الإستنتاجات الإبتدائية للوعي من سن الرابعة إلى السابعة من عمر الطفل ليتخطى بعد ذلك محور مركزية الذات العشوائية ليعالج حلولاً منطقية تجريدية . هذا لا يعني أن العمليات العشوائية الحدسية والحسية المتمحورة حول الذات تنمحي بحلول الوعي المنطقي التجريدي ، بل تنتقل إلى دور أوسع في تمحورها حول الذات موازية للدور المنطقي المغلق المتكامل الحدود تعالج مهماتها الظنيةالحدسية والحسية ، وكلما تمكنت من جديد من تكوين نظام الزمرة والوحدة والوصول إلى نظام مغلق محدد ليحل مكانها نظام الوعي المنطقي التجريدي ،ترها تقفز إلى دور أوسع ، ودواليك عبر الأزمان والمسافات الفراغية على طول حياة الإنسان .
حيث الحدس والحس يسبحان دائما على آخر الأدوار الخارجية المتمحورة حول مركز الذات في معالجتها الدائمة لمهماتها في الإستطلاع والرغبة في تحديد الحدود سبّاقة إلى التجليات والتنبآت المستقبلية لنظام الوعي المنطقي ونجد ذلك في تمثيليات الفنون وخصوصا التشكيلية منها ، ساعية نحو الكمال والإحاطة بالمبهم .وعلى ما أظن هذا ما جعل العقلاء يعترفون بأنهم يعرفون أنهم لا يعرفون شيئاً .
ولا ننسى دهشتنا برؤيتنا لشيئ غريب لأول مرة ، فهي ناتجة عن رغبة مضعفة لعملية التماثل عندنا . من جهة نرغب في تشكيل واقع هذا الشيئ على غرار واقع حفظناه فنسترجع الذاكرة نبحث عن وجه الشبه نقيس عليه ولا نجده ، ومن جهة أخرى نرغب في معرفة الشيئ والإحاطة به .
أغلب الفنانين التشكيلين التجريديين يلعبون على هاته الدهشة سواء كان ذلك عن علم لهم بها أو بدونه .
كما أن تطور وتجدد وحدات قياس العلوم والمعارف عبر التاريخ في حقيقتها ما هي إلا نتيجة نشاط تحدينا للدهشة وللمجهول الوارد باستمرار، فلولا هذا التحدي لما تولدت الدوافع المؤدية إلى عمليات البحث المتراكمة عبر التاريخ في مجال فكر العلوم والجمال لإثبات وحدات القياس الجديدة الجديرة في كل عصر داخل نظام أنظمة المعارف الشامل .
بهاته الصورة الفلكية المتخيـَّلة تكون أهمية مركزية إنية الذات المحافظة وسلامتها تكمن في كمال وتوازن أفلاكها القيمية والمعرفية ، ولهذا السبب بالذات إلتجأ إليها العقل العربي المحافظ في عهود الإستكانة ، فباشر إلى النسخ والحفظ والتكرار والتأكيد علَّ بناء الإنسان وفكره تتراص لبناته وبناء الشرع القائم ، ففرضت الإستكانة إنكماش وانقباض الإجتهاد والتحدي المصارع والمقاوم لأسباب الدهشة عند الإنسان وفكره .
فتغلبت الدهشة في صراعها الأبدي ضد الإجتهاد والتحدي والتصقت في الدور الخارجي لأنية الذات وامتزجت –إن سمح الخيال – بالحس والحدس.
ولنتذكر بأن غلبة التوهم الحدسي المشار إليه أدت بالإنسان ومنذ فجر التاريخ بتأ ليه نفسه وبإعتبار نفسه والكرة الأرضية كمركز للكون ، ليجد نفسه أخيرا أنه يسكن على كوكب صغير تابع لنجمة شمس موجودة على ذنب مجرَّة متكونة من آلاف الشموس بكواكبها ، والمجرة هاته بدورها سابحة بين آلاف المجرات نحو سِدرة المنتهى .(4)
لكن سنة الله في الكون غير ذلك ، فالكون لا يعرف الإستكانة ، لذا فرض الشرع الجهاد والإجتهاد ، فالأهمية القصوى في عالم التربية لا تتمثل في مركزية الذات بعينها وأدوارها بل في قدرة تحديها للمجهول الوارد بتساؤلاتها المتمططة متسلحة بتماسك وجدارة نظم أدوارها المعرفية والقيمية وكمالها وتوازنها كثوابت لإنبناء المعارف المستقبلية المستجدة ،ولهذا السبب بالضبط نرى في سياق التاريخ كل بناء جديد إلا وهو ينبني على ما هو أقدم منه .
والبناء والإجراء للشيئ لا يتم إلا بالثقة في النفس حيث الخطأ يصبح عامل من عوامل البناء
والعربي ليس فقط ذو الأصل العربي بل المستعمل والباني للمعارف والحس الجمالي والقيم والأعراف العربية .(وأعني بالعربية كل الطوائف والقبائل والأعراق المتساكنة بلهجاتها المختلفة في ما يسمى بالوطن العربي ) .

..............................................


الإنسان المغاربي القديم والطبيعة

(الصورة عن ويكيبيديا)

صورة تعود لإنسان العصر الحجري الحديث 7500 ق.م ، الصحراء الكبرى ، منطقة التاسيلي الناجير(الحدود الجزائرية الليبية ) ، تمثل صيد البقرالوحشي ، أو مشهد رعاية قطيع البقر وحمايته من الحياوانات المفترسة .
ما يشد الإنتباه في الصورة الرشاقة في الرسم التعبيري الموحية بخفة ورشاقة جسم الإنسان والحيوان ، هذا عندما كانت الصحراء تعج بالحياة الخصبة قبل إندفاع التصحر في 2500 ق.م.
وأتساءل وأجيب :
لماذا يرسم الإنسان نفسه والطبيعة ؟ إنه يرسم مشاعره ، يرسم فترات من حياته تجيشت فيها مشاعره ، ويريدها أن تتكرر لتشهد بتواجده . فاحدث الرسوم والمواسيم الزمنية لتذكر الذاكرة بقصة أثره،وقصة الصورة التي أمامنا هي من الرسوم الأولى لتاريخ فن التشكيل العربي القديم .

...................................................
2-
وكما قلت سابقاً فمركزية إنية نفس الإنسان في المكان(المقام) هي مركزية الإنية الباحثة بجدلها الوجودي الدائم عن علاقة وضعية مكانتها ومقامها في المكان لأنها هي كذلك مكان(مقام) يتصارع في سبيل أحقيته في التواجد كمكان.
من هذا الكلام أو هذا الرسم نلاحظ على سطح اللوحة فاعلين رئيسيين متقابلين : الإنسان والطبيعة .
فمن جراء التحدي والتقابل بين إنية الذات والطبيعة تنعكس شخصية الإنسان في أعماله وأثرها في الطبيعة والعكس صحيح حيث الطبيعة تؤقلم الإنسان وتعدل فكره وطبعه ، ويعكس الإنسان تحديه للطبيعة بخلق الأدوات المناسبة وخصوصاً في أعماله في الفن التشكلي المقنن بتقليعاته الخيالية لذائقة اللون وأسلوب شكل الأدوات واللباس وكذا في أعماله السكنية المعمارية المحددة لنوعية اللغة الغير الكلامية لنظام التساكن الجغرافي الإجتماعي .
ونعرف كذلك بأن سلوك الإنسان يتغير حسب نوعية المكان ، فسلوكه في بيته ليس كسلوكه في العمل أو في الشارع أو المسجد أو الملهى أو الجبل ، فسلوكه يتغير حسب المكان والمحيط الذي يحيط به ، فنقول لكل مقام مقال .
لذا لا يمكن فصل التحدي المثابر الباحث عن نوعية المكانة أو نوعية التواجد عن المكان ،
وحتى لو تم نكران الذات والتماهي بالإنمحاء في المكان (الوجود) كما هو شأن المتأمل المتصوف الطالب للرحمة لا يتم ذلك إلا لتعظيم وتقييم شأن مكانة مقامه عند الله سبحانه سواء في الدنيا أو الآخرة .(5)
من هنا ظهرلعقل الإنسان أنه من يتحكم في الرأي العام بوسائط الإعلام والثقافة ويتحكم في الأدوات ووسائل التحدي للطبيعة لصياغة المكان يتحكم في نوعية التساكن الإجتماعي السياسي والإقتصادي ونوعية الثقافة (المعرفة والعرف والدين ) ، وغرض هذا التحكم ليس مجاني ، غرضه التحكم في إدارة نظام إرادة الأفراد والجماعات لتسهل قيادة الإنتاج والإستهلاك.

والمثال القريب للفهم عند الإنسان العربي في الوقت الحالي هو مثال الإحتلال :
فما يسعى إليه الإحتلال العسكري والثقافي في البلاد العربية ويتوخاه هو إحتواء الشعوب العربية بالتحكم في الرأي العام والتحكم في صياغة المكان( الطبيعة )
فأكبر المعالم المعمارية الثقافية على طول البلاد العربية من المغرب إلى المشرق-مثلا- التي يفتخر بها أصحابها ، هي من تصميمه وإنتاجه - وكأن العرب لا نظر لهم يستحق الإعتبار ولا يعرفون اللعب في التراب- ،قد يقول قائل ما العيب في أن يصمم لنا الغرب بيوت الله والمكتبات لمراجعنا والمتاحف لمخلفات أجدادنا ويفتوا علينا ويوجهوا ثقافتنا .
العيب في ذلك أن وراء هذا التطاول المقصود أغراض وغايات أخرى تعطل الثقة في النفس لأجيال بأكملها وتكبل تطلعات وإرادة الإنسان وحريته في الإجراء والتواجد ،وتحثه إلى الرجوع إلى عهود الإستكانة المشار إليها، وهذا ما يقصده كل إحتلال وهو الإحتواء والتبني الثقافي بعد التدييث للإنسان بإسم الثقافة الإنسانية والإنسان .
فالإحتواء والإحتلال والإستعمارلا يتم إلا بتغييرصورة المكان فالإستعمارالغربي لم يتمكن من البلاد العربية إلا بعد أن خطط وجزأ البلاد وبنى مدنا جديدة حول المدن العربية القديمة فغير طبيعة المكان ليتغير الإنسان ، وما زال يتابع مخططاته على طول البلاد العربية وخصوصا في الخليج والعراق وفلسطين المحتلة .
على العموم كل بلاد العرب مسلط عليها ثقافة الإحتواء لهزالة وضعف نظمها الإجتماعية ، لكبح إرادة الإنسان، فوقع التدييث للعقل وغلب الظن مع الزمن لدى الشعوب العربية وحكامها أن الغير أفضل حالة منهم وأن الخارج أفضل من الداخل وأن الإطار لابد وأن يكون أجمل من اللوحة ، فطغت ثقافة الإحتواء على البلاد العربية وتولدت القناعة الإتكالية لدى الشعوب والنخب الحاكمة العربية وبأن السبيل القاصد لمعالم النهضة ولمتانة هَيبة النظم القطرية لا يَــِرد إلاّ من الخارج .

قد يظهر كلامي هذا مبالغ فيه لكن الإعتراف بواقع الحال أفضل من عدمه .
لذلك يقع التساؤل عندما تشتد الحمية : لماذا لا يجابه الإحتلال برد الفعل المناسب ؟
أتيت بهاته الأمثلة لقربها من معانات الشعوب العربية وتحديها للتسلط الداخلي والخارجي، ولأنه تراءى لي أنه من الأهمية الفرز ما بين المقام والمكان ، مقام ( مكان الذات العربية) والمكان(العالم) ونوعية علاقة التفاعل الموجودة بينهما . العلاقة المولدة لنوعية سياسة التساكن وسياسة الثقافة وسياسة الإقتصاد في المنطقة العربية .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) – محمد بن محمد ابو نصر الفرابي ،كتاب السياسة المدنية .
(2) يقول الفرابي :" فالأول هو الذي ينبغي أن يُعتقد فيه أنه هو الإله، وهو السبب القريب لوجود الثواني ولوجود العقل الفعال ، والثواني هي أسباب وجود الأجسام السماوية ، وعنها حصلت جواهر هذه الأجسام ؛ وكلّ واحد من الثواني يلزم عنه وجود واحد واحد من الأجسام السماوية .
فأعلى الثواني رتبة يلزم عنه وجود السماء الأولى ، وأدناها يلزم عنه وجود الكرة التي فيها القمر . والمتوسطات التي بينهما يلزم عن واحد واحد منها وجود واحد واحد من الأفلاك التي بين هذين الفلكين . وعدد الثواني على عدد الأجسام السماوية ، والثواني هي التي ينبغي أن يقال فيها الروحانيون والملائكة وأشباه ذلك ."
الفرابي هنا يقرّ بتأثيرالإعتقاد الموروث في الكواكب المقدسة في حياة المسلمين وغير المسلمين في عصره ، الإعتقاد الموروث منذ زمن "إنـّانا "(كوكب الزهرة) السوميرية الأكادية المتمثلة في عشتريت الشام وتنّيت المغرب وصولاًإلى كوكب زهرة الإسلام ( انظر المرجع رقم :9 في الأدراج السابق )

(3) – مريم سليم ، الإختلافات البنيوية للذكاء، الفكر العربي المعاصر ، عدد: 6\7 ، 1980

(4) – سِدرة المنتهى : أفهم من سدرة المنتهى أنها ما بعد حدود السماء العميقة حيث يتحير البصر وينتهي فهم الإنسان ، والسماء العميقة مفهوم فلكي حديث يعني السماء التي لا ترى بالعين المجردة ، فقط يمكن مشاهدتها بأجهزة التيليسكوبات الكبيرة الشفافة الممتصة للضوء .
في لسان العرب لإبن منظور :
والسَّدَرُ: اسْمِدْرَارُ البَصَرِ. ابن الأَعرابي: سَدِرَ قَمِرَ، وسَدِرَ من شدّة الحرّ. والسَّدَرُ: تحيُّر البصر. وقوله تعالى: عند سِدْرَةِ المُنْتَهى؛ قال الليث: زعم إِنها سدرة في السماء السابعة لا يجاوزها مَلَك ولا نبي وقد أَظلت الماءَ والجنةَ، قال: ويجمع على ما تقدم. وفي حديث الإِسْراءِ: ثم رُفِعْتُ إِلى سِدرَةِ المُنْتَهَى؛ قال ابن الأَثير:سدرةُ المنتهى في أَقصى الجنة إِليها يَنْتَهِي عِلْمُ الأَوّلين والآخرين ولا يتعدّاها.

(5) الفتوحات المكية ، محيي الدين إبن عربي ، ص 1543 .
منقول عن موقع الوراق الذي نثق فيه ونثمن جهوده الجبارة .
http://www.alwaraq. net/
نفي المقام هو المكان .
نص جميل يستحق القراءة يتناول المكان والمكانة لمحيي الدين إبن عربي
كنت قد نويت في إدراجي السابق التعليق عليه ، لكنني في الأخير عدلت عن ذلك وفضلت أن أقف عند حدودي وذلك خوفا مني وتجنبا من توسيخ جماله ، فتركته كصورة تؤطر هذا الإدراج بالإيماءة وب(ميميتها) التاريخية فاليتأمل القارئ الكريم .

يقول إبن عربي :
الباب 194
في معرفة المكان
نفى المقام هو المكـان وأنـه - لليثربي بـسـورة الأحـزاب
من كان فيه يكون مجهولاً لـذا- ما نا له أحد بغـير حـجـاب
رب المكان هو الذي يدعى إذا- دعى الرجال بسيد الأحـبـاب
وله الوسيلة لا تكون لـغـيره - وهو المقدم من أولى الألبـاب
وهو الامام وما له من تـابـع - وهو المصرف حاجب الحجاب


قال تعالى يا أهل يثرب لا مقام لكم وقال تعالى في ادريس ورفعناه مكاناً عليا والمكان نعت إلهي في العموم والخصوص أما في العموم فقوله "الرحمن على العرش استوى" وأما في الخصوص فقوله "وسعني قلب عبدي المؤمن" وأما عموم العموم فإن يكون بحيث أنت وهو قوله "وهو معكم أينما كنتم فذكر الأينية والمكان في الذوات كالمكانة في المراتب والمكان عند القوم منزلة من البساط هي لأهل الكمال الذين جازوا المقامات والأحوال واجلال والجمال فلا صفة لهم ولا نعت ولا مقام كأبي يزيد اعلم أن عبور المقامات والأحوال هو من خصائص المحمديين ولا يكون إلا لأهل الأدب جلساء الحق على بساط الهيبة مع الإنس الدائم لأصحابه الإعتدال والثبات والسكون غير أن لهم سرعة الحركات في الباطن في كل نفس فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب أن تجلى لها الحق في صورة محدودة أطرقوا فرأوا في إطراقهم مقلبا أحوالهم على غير الصورة التي تجلى لهم فيها فأورثهم الإطراق فهم بين تقييد وإطلاق لا مقام يحكم عليهم فإنه ما ثم فهم أصحاب مكان في بساط النشأة وهم أصحاب مكانة في عدم القرار فهم من حيث مكانتهم متنوعون ومن حيث مكانهم ثابتون فهم بالذات في مكانهم وهم بالاسماء الإلهية في مكانتهم فمن الاسماء لهم المقام المحمود والمكانة الزلفى في اليوم المشهود والزور والوفود ومن الذات لهم المكان المحدود والمعنى المقصود والثبات على الشهود وحالة الوجود ورؤيته في كل موجود في سكون وخود يشهدونه في العماء بالعين التي يشهدونه بها في الأستواء بالعين التي يشهدونه بها في السماء الدنيا بالعين التي يشهدون بها في الأرض بالعين التي يشهدونه بها في في المعية بالعين التي يشهدونه بها في ليس كمثله شئ وهذا كله من نعوت المكان وأما شهودهم من حيث المكانة فتختلف عيونهم باختلاف النسب فالعين التي يشهدونه بها في كذا ليست العين التي يشهدونه بها في أمر آخر والمشهود في عين واحدة والشاهد من عين واحدة والنظرة تختلف باختلاف المنظور إليه فمنا من يرى اختلاف النظر وكل له شرب معلوم فالمكان يطلب فرغ ربك والمكانة تطلب كل يوم هو في شان وسنفرغ لكم أيه الثقلان فجاء بلفظ الثقلين أعلاماً من خاطب ومن يريد ونحن مركبون من ثقيل وخفيف فالخفيف للمكانة "الرحمن على العرش استوى" فثبتت الرحمة فلم تزل وأثرت في النزول إلى السماء الدنيا فما نزل ليسلط عذاباً وإنما نزل ليقبل تائباً ويجيب داعياً يغفر لمستغفر ويعطي سائلاً فذكر هذا كله ولم يذكر شيأ من القهر لأنه نزل من عرش الرحمن فالمكان رحمة حيث كان لأن فيه استقرار الأجسام من تعب الإنتقال ألا تراهم في حال العذاب كيف وصفهم بالإنتقال بتبديل الجلود والتبديل انتقال إلى أن يفرغ الميقات والأمر الحقيقي للمكانة فإنه لا يصح الثبوت على أمر واحد في الوجود فالمكان ثبوت في المكانة كما نقول في التمكن أنه تمكن في التلوين لا أن التلوين يضاد التمكين كما يراه من لا علم له بالحقائق وللتمكين باب يرد بعد هذا أن شاء الله .



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 سبتمبر, 2009

الإنية والمكان-3-

إنية " إنَّ "


(رغم تحديات الوقت والحـُفر أتابع ، وأشير أن بعض الإشارات المرافقة تكمل الموضوع متوخية التوضيح )



جزء من صورة جدارية تعود لقصر مدينة ماري(بداية الألف الثاني قبل الميلاد) حاليا تل الحريري ، تقع علىالجانب الغربي لنهر الفرات ، متحف اللوفر ، باريس









تباينت قدسية "أنْ "(السماء) وقدسية "كي"(الأرض) المولدتين لإبنهما "إنليل "(الهواء) في
الثقافة السوميرية ، فتعاظم شأن الإلاه "أنْ " لما للسماء من قدرة الإبهارلعقل الإنسان ، فبـُنيت في تلك العهود القديمة أكبر المعابد وأقدمها لإلاه السماء "أن " في أوروك(وركة ، جنوب العراق) كما أظهرته الحفريات الحديثة ( 3000 ق.م) (1)
يجمع كل الدارسين والمهتمين بالتاريخ العربي القديم ومعتقداته ويتفقون ويشيرون إلى أن الدور-الدائرة السماوية- أي الدور الفلكي الكوني كان يمثل الإلاه " أنْ / أنُّو / أنـُّوم " ومن مميزات هذا الإلاه الأبوة والشمولية والكمال المناسبة لشمولية وكلية الدور السماوي نفسه ، فهو في الكتابات الرشمية (المسمارية) إلاه السماء ، وأبو السماء وملك السماء " إلْ شَمِّي ، أبو شَمِّي ، شار شَمِّي " وهو الإلاه الرئيسي " إلُّو رِشْتُو " وهو السيد الأول والمطلق " بِعلُّو رَبُّو " ،و لكل ما هو موجود في السماء والأرض " بعلْ ماتَات ِ ، بعلْ شَمِّـي ، أ ُو إرْصْتي " . (2)
والنجمة التي تمثله هي نجمة القطب ، وكيف لا وهي مركز دوره وعليها تدور وتتمحور حركة النجوم من المشرق إلى المغرب في دورة كل يوم ، وكانت تعتبر أميرة " أن" (أنـًّتم) ربَّة السماءبإمتياز " مُولْ أنَّـتـُمْ رَبّـِتـُمْ شـَاشـَمّـِي " . (3)
هاته السمات والصفات هي التي يشير إليها الفرابي ويلحقها بالكلام اليوناني مع العلم أن القبائل اليونانية لم تتوافد وتعمر جزر البلقان إلاّ بعد (1300 ق.م. )، وهذا يعني وبدون شك أن القبائل اليونانية استساغت وتأثرت بالهاجس العقائدي العربي القديم المتأصل في المنطقة منذ آلاف السنين قبل ظهورها على مسرح التاريخ .
من رموز الإلاه " أنوُّ " في التشخيصات المعثور عليها سواء المنحوتات أو الرسوم الموروثة هي رسم الدائرة أو رسم دور يؤخذ عادة في اليد أو يوضع فوق الرأس أو يقلد على الصدر، أنظر (الصورة - 1-)
وأحسن مثال- إخترته - يمثل إنية الإنسان في حِمى مركزية الدور في التاريخ العربي القديم نجده في دور ( الإلهام والأحلام ) في ملحمة غلغميش ، في اللوحة الرابعة عند رحلته إلى جبل لبنان لمجابهة الوحش "هواوا " .

تقول القصيدة ( اللوحة الرابعة / العمود -1-/ النص الأشوري ) (4)

بعد عشرين بـِرّ ُو مضعفة وقفا ليقتاتا قليلا .
10- بعد ثلاثين بـِرّ ُو مضعفة وقفا للبيتوتة
كانا قد قطعا خمسين بـِرّ ُو مضعفة في مسيرة يوم .
مسيرة شهر ونصف (قطعاها ) في ثلاثة أيام (…)(5)
هما كانا يقصدان الوصول إلى جبل لبنان
(قبل الغروب ) أمام شَمس(6) حفرا بئراً.
(……..) هنالك فعلا (…….)
غلغميش صعد إلى قمة الجبل (…..)
قام بالقربان بنذر "مشتو " (7) وقال :
يا أيها الجبل أرسل لي بحلم يكون لي فألاً حميدا ً
20-أنكيدو لغلغميش كان قد أعدَّ
وزرَّب بمتانة (ملاذاً من ) الريح
ساعده على الأستلقاء في دور ……( معصوم) (8)
غلغميش ناء بذقنه على ركبتيه
والنوم الذي(يلقح ) الإنسان أسدل عليه (بغطائه)
نلاحظ في الأبيات الأخيرة لهاته القطعة كيف يساعد أنكيدو صديقة غلغميش في الإستلقاء في دور معصوم للنوم لإستقبال الحلم المرتقب .
وهذا ما جعلني أأوِّل :
فإذا ما كان العالم الذي يتحرك فيه غلغميش مليئ بأرواح المظاهر الطبيعية كأرواح الجبال والوديان والرياح والعواصف والغابات والصحاري وباقي الأرواح الخفية المحيطة به من كل جانب ولا يستطع رؤيتها ولا إبعادها عن هلوسته في يقضته ، فكيف له أن يحطاط من تأثيرها وهو نائم وكيف يصنع ملاذاً وحدّاً يفصل بينه وبينها ، فاضطر لإستعمال لغة الرمز لما لدلالة الرمز والعلامة من قوة الردع قد تفوق لغة الكلام والتعاويذ المرافقة ، فلجأ إلى رمز الإلاه "أنو" الدور ليعتصم ويحتمي به ، وكيف لا وهو أب الآلهة كلها ورب السماء وما فيها . تقريبا كإحتماء الراهب بالصليب من شر الأ رواح الشريرة في قصص الأفلام الغربية .
ربما الدور هنا هو تلميح للزرب الذي أعده أنكيدو لصد البرد ولفحات الرياح ومع ذلك نرى الشاعر يتابع كلامه فنرى أنكيدو يساعد صديقه غلغميش في الإستلقاء في دور معصوم لترقب الحلم المبتغى وهذا - في نظري- ما كانت تفهمه من كلمة الدور مائات الأجيال التي كانت تتغنى بهاته الملحمة .
لم يفقد الدور دلالته كرمز للإحتماء وللعصمة على طول التارخ العربي القديم رغم ظهور آلهة ثانوية تشارك الإله "أن" في الشمولية والحماية كالإله سين(القمر) ومردوك وأشور( الذي كان شعاره الدور المجنح ) وخصوصا الإبنة الإلهة إنانا السوميرية الأكادية المتمثلة في عشتريت الشام وتنيت المغرب وشالا ليبقى هاجس هاته الإلهة مع نجمة زهرة الإسلام (9) ساريا في الثقافة العميقة للشعوب العربية الإسلامية .
بقي الدور - كما قلت - ساريا في الثقافة العربية القديمة واستمر كشعاريوضع ويربط على الرأس في العصر البابيلي والأشوري وخصوصا في العصر المسمى بالهيلينيستي (300ق.م-200ب.م) حيث الدور أو الشريط الذي يربط حول ، الرأس ( diadema دياديما)هو الشعارالمميز الخاص بالنبلاء والعقلاء والحكماء عند اليونان .
ويغلب الظن عندي أن العقال العربي الحالي وخصوصا المفتول بشعر المعز جذوره تعود إلى ما قبل هذا العصر إلى العصر الأشوري كما نلاحظ في الصور المنقوشة في المسلة السوداء التي تعود إلى عهد سلمنسار الثالث858ق.م- 824ق.م ، المتحف البريطاني . وتمثل ملوك الأقاليم وهم يقدمون الهدايا ( الصورة- 2 - ) أما ثوب الشماغ المرافق حاليا في المشرق العربي–في نظري- فرضته البيأة الحارة وتغلب البداوة على الحضر .


(الصورة -2- ) إحدى صور المسلة السوداء (824 ق.م)، المتحف البريطاني ، تمثل ولاة وأمراء البلدان التابعين للإمبراطورية الأشورية وهم يقدمون الهدايا .





وقد يلاحظ المتتبع للتاريخ العربي القديم أنه في هذا العصر بالذات ظهرت المدن الدينية المحرمة في العراق والشام ومصر والمغرب مما أدي بظهور دور الحكماء والمعلمين والأنبياء فشخصوا على عروشهم وكللوا في التصاوير بهالات دائرية قدسية كما نجدها في تصاوير القديسين المسيحيين والمسلمين على حد سواء .
إلا أن الدور في الإسلام وجد صيغته الحقيقية فجُسم وشـُكل في المعمار الديني في شكل القبب وقـُبّة مسجد الصخرة التي تعود للعصر الأموي خير وأسعد مثال على ذلك ، فكيف نبني على مكان الإسراء والمعراج نحو السماوات إلا بتلك الطريقة الدائرية الموحية بباب السماء ، أما وحدانية مركز الدورفي المعمارالإسلامي فأتت كرمز للعصمة وفضل المكانة في المقر المخصص للإمامة في الجوامع والمساجد في مقام المحراب نفسه . (الصورة – 3 -)
لم يكن شكل المحراب موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة ، ظهر مع الوليد بن عبدالملك عند توسيعه للمسجد النبوي ، أي عندما بدأ ينطفئ إتجاه الإندفاع الحيوي الثوري للفتوحات الإسلامية من الداخل إلى الخارج ليتحوِّل إتجاهه بفضل الموالي من الخارج إلى الداخل ليرتب أوضاعه الداخلية في الرقعة الإسلامة الشاسعة ولم تكتمل حيوية هذا الإتجاه العكسي وتستقرإلا بعد 132 ه مع أبا جعفر المنصور العباسي .(10)
قد يميل التأويل بأن فن المعمارالديني الإسلامي لابد وأن يكون قد تأثر ونهل من ما سبق وهذا لا شك فيه ، لكن شأن المحراب شيئ آخر فهو ليس ك(الأبسيد) والمائدة المرافقة في الكنائس المسيحية الذي هو عبارة عن واجهة ل(خشبة مسرحية) تقام فيها عروض الشعائر الدينية . أما في المعابد اليهودية فلاشيئ شبيه به البتة .
فالمحراب على ما أعرف ليس له أية وظيفة دينية في العقيدة الإسلامية ، فقط يقتصر دوره في المعمار الديني الإسلامي كلباس وكهالة لمركزية إ نية المكانة التي يحظى بها شخص إمام وقائد الجماعة ، لذا نجد ه يتكرر في الجوامع الإسلامية الأولى كالجامع الأموي بدمشق الذي يحتوي على عدة محارب .



محراب جامع قرطبة ، الصورة للباحث الإسباني:
Basilio Pavón Maldonado









علاقة إنية ألإنسان العربي بالكون هي علاقة إستشراف دائمة تتطلع من مركزيتها نحو محيط دورها المعلوم-المجهول ، والدورالمعلوم هو المعروف والمجهول هو ذلك المكان الكامل الشامل المحيط ،ذلك البحر المسجورالمكفوف الذي لا سبيل إلى الإحاطة به إلا بالإيمان(11) ، ومركزية إنية الإنسان في المكان هي مركزية الإنية الباحثة بجدلها الوجودي الدائم عن علاقة مكانتها والمكان . وعند هذا الفهم نلتقي مع إبن عربي الذي سأشير إلى فهمه في الإدراج القادم والأخير لموضوع الإنية والمكان علني ألج إلى فهم السبيل المؤدي إلى دور(دائرة)التجديد والإبداع بالتغلب على تحديات الإستكانة في دوائر الأمر الواقع .
(يتبع)

………………………………..

المراجيع

(1) -Georges Roux, LA MESOPOTAMIE, Essai d `histoire politique économique et culturelle, Edit. Seuil 1985.
La edición Española .Ediciones Akal, S.A.1987.Madrid.

(2) - Joaquín Sanmartín, Mitología y religión del oriente antiguo Pág.273, edit.AUSA, Barcelona 1993.

(3) –
حسبSanmartín المشار إليه في المرجع السابق أن نجمة "أنتم" أو نجمة القطب في العهد السوميري -الأكادي كانت نجمة الثعبان Alfa Draco وهي أبرز نجمة من نجوم مجموعة الثعبان، منتقدا ( Gossman,1950,Pág.112 ) الذي يعيد نجمة "أنتم" إلى مجموعة الدب الأكبر .
إختلاف الرجلين في تحديد موقع القطب الشمالي الفلكي في تلك العهود القديمة وبالتالي تحديد موقع نجمة " أنتم " . أدى بي للبحث في هذا الإشكال مما جعلني أتأخر في متابعة كلامي ، وعلى ما ظهر لي فالعملية بسيطة .

( يُعرف من حركة الإدبار والتراجع الفلكية السنوية ، أن الشمس عند إنطلاقتها من نقطة الإعتدال الربيعي وهي نقطة تتقاطع فيها دائرة الميل التي تسير عليها الشمس مع دائرة الإستواء الفلكية تستغرق دورتها البادية سنة كاملة ، لكن موقع التقاطع يتغير موقعه سنويا على دائرة الإستواء الفلكية ويتأخر عن مكانه السابق كل سنة بنحو 50,26" ،ومع تتابع السنين يزداد هذا الإدبار طولاً فيتمم دورته أو حصته العكسية الكاملة على دائرة الإستواء في ظرف 25765 سنة حسب الموسوعة الفلكية :
Enciclopedia temática, Argos Vergara, Barcelona, 1988

وبحركة الإدبار هاته يتغير موقع النجوم في السماء وتبدو لنا وكأنها تحركت من مكانها السابق .
وأشير أن أول من درس ظاهرة هاته الحركة وحركة النجوم الثابتة هوالفلكي (أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الزرقلي 470هجرية) في طليطلة حيث أثبت حركة موقع أوج الشمس ونجمة قلب الأسد وابتعادهما السنوي عن نقطة الإعتدال الربيعي وذلك بمقارنته لرصده ولرصد كل من بطليموس وابن قرة الحراني والبتاني ونسبة ذلك وتفاوت أزمنة رصدهم .

لمعرفة موقع" أنتم " نجمة القطب في العهد السوميري-الأكادي:
نستخرج مقدار زمن الإدبار في مسافة درجة واحدة من درجات الدورالفلكي ،
25765سنة/ 360°= 71,5694سنة
نحول الدرجة إلى الثواني ونقسم الثواني على السنوات لنعرف كم عدد الثواني في سنة واحدة ،
1°=60×60=3600"
3600"/71,5694= 50,3"

وبالتالي يكفي أن نعد السنوات الماضية وإلى الآن لنعرف موقع القطب الفلكي في العهد السوميري –الأكادي.
نأخذ 2650ق.م حيث معبد "أن" في أوروك زائد 2009 ب.م الحالية = 4659 سنة.
4659×50,3"=234347,7" ؛
نحوِّل الثواني إلى دقائق ثم إلى درجات 234347,7" / 60= 3905,795′
3905,795′ /60 =65,09658333° = 47" 5′ 65°
أشير أن أغلب الخرائط الفلكية موضوعة على القطب الإستوائي الفلكي وليست على قطب دائرة الميل الخارجة المركز
وفعلا عندما حولتُ مركز دائرة الميل على الخرائط الحالية إلى قطب فلكي ميلي لأن حركة إدبار الإعتدال تتم على دائرته وأنقصت من مساره الحالي 47"5′65° إبتداءاً من المنقلب الصيفي في إتجاه عقارب الساعة أي عكس إتجاه البروج من الغرب إلى الشرق .
يكون موقع القطب الفلكي الإستوائي آنذاك على مجموعة الثعبان وبالتحديد قرب النجمة المسماة ب الثعـبان وتقع ( 51"42′25° - 14 س5 د) .
وهي النجمةA.Draco
التي يشير إليها سانمرتين
وهي النجمة القطبية التي نبحث عنها بدون شك ، هي إلاهة القطب "أنتم " ،وكانت معظمة عند البابليين والمصريين على حد سواء ، و في عهدها كانت تشع كنجمة " السماك الرامح" أو أكثر ، لينقص تدريجيا لمَعانها مع الوقت إلى أن يصل ما دون 3,5 من قوة السطوع حالياً.
وأظن أن مجموعتها سميت بالثعبان في القدم لدوران نجومها حولها في كل ليلة كما هو الشأن في نجمة القطب الحالية .


(4)-
ترجمته عن النص الإسباني :
Federico Lara peinado, Tecnos 1992, Madrid
تراءى لي أنه أكثر تحقيقا من الترجمة الفرنسية التي نشرها جان بوييرو :
Jean Bollero, Gallimard, 1992, Paris

(5)-
L. Delaporte, Mesopotamia, las civilizaciones babilónica y asiría, Pág.278, ed. Cervantes, Barcelona 1925
حسب ليونارد دو لا بورت :
بـِـرّ ُو : ( البور ، الفرسخ البابلي). يساوي 180 حبل ،
والحبل = 120 ذراع ،
والذراع = شبرين = 30 أصبعاً = 0,495 م

ربما الشاعر هنا يربط قياس البور بقياس المساحة ، فكلمة مضعفة لا تستعمل إلا لضلع مساحة
كما ظهرت في بعض اللوائح الرشمية التي يدلي بها الباحث الفرنسي دولابورت في كتابه المشار إليه .ص. 279
وبهذا فالبور = 1800 سار.
والسار عرضه "الحيط" والحيط يقدر ب 12 ذراع .
والذراع = 0,495 م .
من هذا القياس فالبور يساوي :
1800 × 12 × 0,495 = 10692 م
في مسيرة يوم يكون غلغميش وصديقه أنكيدو قد قطعا : 10692 × 50 = 534,600 كلم
وفي مسيرة ثلاثة أيام يكونان قد قطعا :
534,600 ×3 = 1603,800 كلم
وبما أنهما قطعا مسيرة شهرونصف في ثلاثة أيام لكونهما أنصاف آلهة ، تكون مرحلة السفر عند
الإنسان العادي في يوم واحد 1603,800 كلم : 45 يوم = 35,640 : كلم .
والمسافة بين أوروك عاصمة غلغميش في جنوب العراق صعودا بمحاذاة الفرات ومرورا بمدينة "ماري" إلى أن نصل إلى عبلة قرب حلب ، تقترب كثيرا ً من هاته المسافة .

(6)-
الإله الشمس

(7)-
طحين المقلي ( لاحظ أنه ينذر وينثر في تقربه للإلاه شمس الطحين المقلي بدل السوائل وربما يكون طحين السفوف المستعمل في الأسفار في البلاد العربية ، وهو خليط من طحين القمح وطحين اللوز والتوابل مقلى على النار )

(8)-
في آخر أبيات هذا المقطع نجد أنكيدو يساعد صديقه غالغميش على الإستلقاء في زرب ودور معصوم عندما يتهيأ هذا الأخير للنوم ولإستقبال الحلم المرغوب فيه ليهديه على ما ينوي العزم عليه .
سواء قصد الشاعر بكلمة الدور الزرب أو دائرة ما ، فكان يعي بأن الإحتما ء بالدور وفي ضيافة الجبل هو الإحتماء ب"أن" أبو الآلهة كلها فهو الأشمل وهو الكل بالنسبة لغلغميش ولمائات الأجيال من بعده فعندما لا تستجيب لمطامحهم الآلهة المتميزة بنشاطاتها المتناقضة يلجؤون بقدرهم إلى " أن " كآخر ملجأ لأنه إلاه ساكن ، ليس كأبنائه من الآلهة المتفاعلة والمؤثرة كآلهة الرعد والعواصف والحرب والبحر والجفاف والموت والنماء والحب إلخ ……
حسب ج . بوتيرو " عملية الإتصال بالآلهة كانت تتم عبر الأحلام، كان يطلب الحلم من الآلهة في المعابد ويستجاب لهذا الرجاء في مكان آخر محفوظ ومعصوم من أثر ألأرواح الشريرة التي تسترق السمع وتفسد وتخلط في الحلم . وهاته الدوائر استعملت عبر التاريخ في المراسم الدينية والسحرية لحجب الشخص الجاثم داخل الدور من التأثيرات الخارجية ."

(9) -
- مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغناطة (469-483) ، كتاب التبيان ، النسخة
الوحيدة المحفوظة بجامع القرويين بفاس .
- دخائر العرب، رقم 18 ، دار المعارف ، القاهرة .
-Las memorias de Abdallah ultimo rey ziri de granada, Emilio garcía Gómez, alianza editorial, Madrid, 1982

يقول الأمير عبدالله في مذكراته (كتاب التبيان) ورقة 75 ،(النسخة الإسبانية ) ويقارن بين أيام العطل للأديان الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام ما معناه :
" فاليهود السبت هو يوم راحتهم وهو يوم زحـل .
والمسيحيون الأحد يوم إحتفالهم وهو يوم الشمس .
وأما المسلمون فالجمعة يوم إحتفالهم وهو يوم الزهرة ، حيث الزهرة رمز الدين والمكارم والصفاء الروحي والجسمي والعطور والزينة ، ألم نؤمر بالإحتفال يوم الجمعة وهو يوم الزهرة ."
أ قدم هاته الخاطرة كمثال لنوعية الرؤيا والثقافة التي كان يرى بها المسلم نفسه في القرن الخامس الهجري في بلاد المغرب لإنفلاتها عن الرقابة الذاتية التي تصبغ عادة كتابات الفقهاء. فمذكرات الأمير عبدالله عبارة عن دفاع عن النفس والرضى بالمقدر والمصاب بعد زوال ملكه ونفيه إلى أغمات بجنوب المغرب من طرف أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين .
يقول إميليو غارسيا غوميس أحد الدارسين الإسبان للتاريخ الإسلامي في المغرب , والأندلس والمترجم لهذا الكتاب : أن أوراق هذا الكتاب وجدها المهندسون الفرنسيون 1930 مدفونة وراء حائط داخل جامع القرويين بفاس .
وأتساءل لماذا الدافن الذي وضع نفسه كرقيب وكقاض لم يحرق الكتاب وينتهي الأمر ؟ ففضل نفي الكتاب وراء الحائط كما نفي صاحبه إلى الصحراء .
أم أن في ذلك الدفن حكمة وخوف من قضاء الله .

(10)-
أبن عذري ، البيان المغرب في أخبار المغرب ، نسخة ليدين ، ورقة 15 . يقول بلسان إبن حزم ووصف هذا الأخير لكلا الدولتين الأموية الساقطة والعباسية الطالعة فيقول : وفي سنة إثنتين وثلاثين ومائة ……
"وأنقطعت دولة بني أمية وكانت على علاتها دولة عربية ، لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة ، إنما كان سكنى كل إمرئ منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل خلافته ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبونهم بالعبودية والملك ولا تقبيل أرض ولا رجل ، إنما كان غرضهم التولية والعزل في أقاصي البلاد منهم في الأندلس وفي الصين وفي السند وخرسان وفي أرمينية واليمن والشام والعراق ومصر والمغرب وسائر بلاد الدنيا وانتقل الأمر لبني العباس في هاته السنة (أي سنة132)"
واما وصف الدولة العباسية فيقول :
"كانت دولتهم أعجمية ، سقطت فيها دواوين العرب وغلب عجم خرسان على الأمر وعاد الأمر غصوصا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ، وافترقت في دولة بني العباس كلمة المسلمين فتغلبت في البلاد طوائف من الخوارج وشيعة ومعتزلة "

( 11 )-
البحر المسجور: كلامه تعالى : (والبحر المسجور) الطور، الآية 6 . وهو الممنوع ، المكفوف، المحروس ، وهو السماء التاسعة ، أي بعد السماء الثامنة التي تظهر فيها النجوم الثابتة . عن إبن كثير \( البداية والنهاية ، ج.1 ،صفحة 53، دار الفكر 1416) : (البحر المسجور فيه قولان : أحدهما أن المراد به البحر الذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال وأنه فوق السماوات السبع بين أسفله إلى أعلاه كما بين سماء إلى سماء ، وقيل المملوء ، وقيل المراد
به الممنوع المكفوف المحروس فأن يطغى فيغمر الأرض ومن عليها فيغرقوا ، رواة الوالبي عن ابن عباس وهو قول السَدِّيِّ وغيره .)


(هاته الإشارة،موجودة في إدراج سابق تحت عنوان " الفن التشكيلي والتجاذب بين الواقع والحمل التاريخي)



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

27 يوليو, 2009

الإنية والمكان-2-




صورة لنصب الدستور الإسباني








بعد زوال النظام الديكتاتوري بإسبانيا إثر موت الجنرال فرانكو ، أجمع كل عقلاء إسبانيا ومفكريها وأحزابها الوطنية سواء المقيمة منها في الداخل أو في منافى الخارج، أنه لابد من طي الصفحة وبناء البلد على نهج ديموقراطي متطلع للحداثة والإنفتاح على الأصول الغربية والأطلسية فأحدثوا دستورا جديدا متفق عليه 1978
وكان لابد من وضع صرح أو نصب يشخص ويخلد حدث الدستور الجديد ، فاعلنوا عن مبارة في الساحة الوطنية على كل المبدعين لتشخيص هذا المشروع .
كنت أنذاك منتسبا لكلية الفنون الجميلة بمدريد وما زلت أتذكر الحماس الذي كان يدور حول هذا المشروع سواء من طرف الطلبة أو الأساتذة أو في الإعلام المحلي لأن قيمة الجائزة كانت قيمة وخصوصا القيمة المعنوية ولأن الأمر يتعلق بدستور البلاد ، وخصوصا والشارع الإسباني يغلي بالحماسة السياسية يطفئ غليل سكوته لعقود من الديكتاتورية . لم أشارك في المبارة كأصدقائي الإسبان لأنني كنت أظن بان موضوع المشروع شأن إسباني محض، ونسبة نجاحي فيه منعدمة ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشخص دستور البلاد فنان أجنبي رغم التقدير والإحتضان والعناية التي غمرتني بها المؤسسة الجامعية وأساتذتها .
وبعد عام 1979ظهرت نتيجة المبارة صادق عليها كبار الفنانين والنقاد الإسبان وكان الفائز المهندس ميغيل أنخل رويس-لاريا .
العمل الفائزهو عبارة عن مكعب من الإسمنت مغلف بصفائح المرمر الأبيض ، مجوف ظاهر الأقطار، منفتح على الجهات الأربع ، ضلعه الخارجي 7,75م ، وفي وسطه مكعب داخلي فارغ متناسب وقياس الإنسان .
(أنظر الصورة 1) .
المكعب أتى منفتحا على الجهات الأربع ، وهو دعوة للإنفتاح على كل الشعب الإسباني إلى الإلتقاء في أصل ومركزالمكعب الفارغ - ذا القياس المتناسب وحجم الإنسان - الممثل لمنبر الدستور .
آنذاك ظهرت في الإعلام الإسباني شائعات تؤول بان هذا النصَب إقتبسه المهندس لارّْيا من نصَب مكعب آخر للفنان السوسري ماكس بيل الذي أقيم في لندن 1952 والمخصص للمعتقل السياسي المجهول .

لكن ذلك التأويل على ما يظهر لا أساس له من الصحة لإختلاف الموضوع ، دحضه كل النقاد الإسبان . ومع ذلك يبقى التساؤل مطروحا في الهواء ، لماذا أختِير المكعب لتشخيص قانون الدستور؟ ولماذا أختير ليكون رمز اللقاء والإجماع ؟
بقي هذا التساؤل يراودني حتى الساعة ، فبالنسبة لي المكعب الوحيد في العالم الذي يبهر الإنسانية لقوة جاذبيته لمائات الملايين من البشر، هو مكعب الكعبة .
فهل هذا العمل مستوحى من قكرة اللقاء والإجماع حول الكعبة وقانون الشرع الإسلامي ؟ وهذا ما يغلب على ظني .
أم هو مجرد شعور إنساني يعقلن المكان بالتكعيب في الكون الدائري ، ولأن المكعب أسلم وأجمل الأحجام البسيطة المعقلنة عند الإنسان ؟
أقدم هذا المثال هنا لتشخيص مركز المكان ولأشير بأن مركز المكان هو هاجس إنساني تتوحد فيه خلاصة بنية الفكر الجماعي ، غايته تذكير الأفراد والعموم بتماسك النظام وعَقد الشرع الجماعي ولنتذكر بان إعلان حساب شهور النسيئ مثلا التي كانت توحِّد حساب السنة الزمنية عند القبائل العربية في الجاهلية ، كانت لا تعلن إلا في أ شهر الحرم أيام الحج للكعبة . فتوحد وتحدِّد موعد الحج القادم علّ مناخ الزمن يوافق وسير قوافل التجار.
ولنتذكر بأن بداية الزمن لتاريخ العرب الحديث لم تعلن إلا في وقت الإجتماع حول مركز المكان ، في حجة الوداع عندما أعلن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قائلاً : "ألا إن الزمان قد إستدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة إثنى عشر شهرا " أراد أن حساب زمن التاريخ العربي الحديث بدأ إنطلاقته الأولى في تلك اللآونة المجيدة ، كإنطلاقة حركة الأفلاك من نقطة إنطلاقتها الأولى يوم خلق الله السماوات والأرض .وأن تنسيق الزمن لم يعد يقتصرومصالح تجار قوافل القبائل العربية ، فقد أصبح هذا الزمن شاملا ، زمن أفضل أمة أخرجت للناس وللعالمين .
هذا من جهة ،
وقبل أن أتابع كلامي ، ليسمح لي القارئ الكريم وليستعين بالصبر لإلتواءاتي في دروب وأزقة هذا الموضوع ، وبصراحة فإنني أجد نفسي كذاك السائح الهائم الذي يفضل التيه والدهشة وما تخبؤه منعطفات أزقة المدن القديمة .
إرتأيت أن أقدم تعريف أركيولوجي بسيط يبتعد عن تعريفات الفلسفة للإنية والمكان وهو عبارة عن خلاصة ما غربلته من غبار وأتربة حاجبة خلال قراءاتي المختلفة ،والتي أظنها إماءات للإنية والمكان وكذا لمركزية المكان وأنها تستحق بعض الإعتبار .
وأشير بأنه يُحسِن الظن من يظن أن الكلام الذي سأدلي به يدخل في مجال علوم اللغة والفلسفة وحتى في علوم التاريخ المختصة . لكن إشكال ثقافة الفنون التشكيلية أنها متطفلة تقطف من كل الإختصاصات سواءكانت علوم لغوية أو علوم رقمية ،فالأمر لديها سيان .
وأن فكرها ثوري الطبع ، تتعمد إدخال رأسها ونفسها واللخبطة في نظم المفاهيم المغلقة وفي ما لا يعنيها ، وهذا قدرها في بحثها الدؤوب عن الجدة .

الإنية:

يقول الفرابي في " إنَّ " و " أنَّ " و " الإنِّية " :
(معنى " إنَّ " الثبات والدوام والكمال والوثاقة في الوجود وفي العلم بالشيئ ، وموضع " إنَّ " و " أنَّ " في جميع الألسنة بيّن ، وهو في الفارسية كاف مكسورة حينا وكاف مفتوحة حينا ، وأظهر من ذلك في اليونانية " أن " و " أون " وكلاهما تأكيد إلاّ أن " أون " الثانية أشدّ تأكيداً فإنه دليل على الأكمل والأثبت والأدوم فلذلك يسمون الله ب " أون " ممدودة الواو وهم يخصون به الله ، فإذا جعلوها لغير الله قالوها ب" أن " مقصورة ولذلك تسمي الفلاسفة الوجود الكامل " إنية الشيئ " وهو بعينه ماهيته ، ويقولون : ما "إنية الشيئ " ؟ يعنون ما وجوده الأكمل وهو ماهيته إلاّ في الأخبار دون التساؤل ) ( 1 )
كلام الفرابي واضح في شأن إن والإنية إذا ما وضعناه في سياق زمانه والثقافة المتداولة عند معاصريه ، لكنه في الوقت الحالي بعد تراكم الدراسات والأبحاث العلمية والتنقيب في التاريخ وتاريخ التشكيل العربي القديم ، يذهب هاجس ثبات الأنية وتشكيل معالم الكون إلى آلاف السنين قبل اليونان والفرس يبدأ من مهد الحضارة الإنسانية عند الإنسان العربي في جنوب العراق .

إنية الكاف والنون

يجمع كل الباحثين على أن تشكيل العالم أخذ شكله الثقافي عند السومريين فكانت الأرض "كي" والسماء "أن" والريح "إنليل" (2) وبهذا أتى نطق "كي" و "أن" من أسماء الآله السوميرية الأكادية المكونة لمفهوم الكون ، وأسست لهاجس عبادة المظاهر الكونية لمن أتى بعدها ، لترافقها لغة تتناسب وتتناغم مع هاته الثقافة الهاجسية التصورية للكون ، ومن هنا ألتصق معنى "كي" و"كا " بقدسية المكان والشيئ ، وإذا كان كذلك - أتساءل – هل أخذت" كي" دلالتها الكاملة في رموز العبادات المصرية القديمة ، ف"كا" في الثقافة المصرية القديمة هي صفة لجوهر الحياة (الروح) ويكتب ويُرمز لها بذراعين مرفوعين إلى السماء.
في المعاجم الصوفية (3) "كا" هو" من أسماء الجسم الكوني عند المصريين القدماء "، بمعناه الحالي تقريبا تكون قراءته كما أفهمها كالتالي : أن الجسم أو المكان أو الصورة أو التمثال المشار إليه بذراعين مرفوعين إلى السماء ، هو مستوجب للتكبير والصلاة والتعظيم لذاته ولمكانه ولإنيته وليس لما يمثله ، لكونه حامل لنفـَس ونبض الحياة (الروح) التي بعزيمتها المتوهمة يمكن أن تؤثربالسلب أو بالإجاب على باقي الأحياء ،وما دامت "كا " (الروح ) تشغره يمكن أن ينبعث في أي وقت ما ، وأظن أن هاجس الإنبعاث هذا في ثقافة أهل النيل القديمة كان نتيجة الملاحظة الشديدة للطبيعة ، كإنبعاث الحياة وتجددها في حبوب النبات اليابسة بعودتها إلى الأرض المعطاء "كي"،
ربما يكون هذا التجدد الطبيعي الملاحظ من طرف الإنسان العربي القديم المهوس بالمظاهر الطبيعية هوالسبب المنهك لهاجسه منذ القدم ، في بحثه العنيد نحو الخلود والحياة الأبدية وضد الموت والمرض والزوال والإندثار والمُمهِّد لتقديس المكان والأرض المعطاء " كي" وقد يكون كذلك هو المُمهِّد لثقافة الإعتقاد في مصرالقديمة بجدوى تحنيط الأموات للإنبعاث مستقبلاً .
ما ظهر لي من تحرياتي أن مفهوم إنِّية "كي" أو "كا" الأرضية في ثقافة مصر القديمة تغلَّبت على مفهوم "أن" وإنيتها السماوية ، و يغلب عندي الإعتقاد أن "كي" أو" كا " المنطوقة بالفارسية والتي تعادل وتعني "أن " و" إنّ" حسب كلام الفرابي ، ربما نتجت عن خلط بتأثر الفرس بالمفهوم الثقافي المصري لإنية "كي " و"كا" في القرن الخامس قبل الميلاد عندما إمتدوا وأكتسحوا مصر القديمة وتحكموا فيها لمدة قرنين (525-332ق.م) ، إلى أن سقطت مصر من جديد تحت تأثير الإستعمار الإغريقي الروماني والذين لم يتم جلاؤهم عنها عبر البحار إلاّمع بداية التاريخ الحديث بعد الثورة العربية بظهور الإسلام سنة 638 ب.م

تقريبا أغلب أسماء الأماكن والمواقع في البلاد العربية التي يشمل إسمها حرف "الكاف " وكانت موجودة قبل إختلاط الشعوب في العصر الهيلينيستي أي قبل القرن الثالث قبل الميلاد إلا ويرتبط إسمها بمفهوم هاته القدسية الخاشعة ( الندبية )(4) ، ككاف أوروك (عاصمة غلغميش 2650 ق.م وركة الحالية) وكش ومكة وعكة وبكة وكرنك وبعلبك إلخ..، وبقي تقديس أماكن العبادة وطهارتها مع الإسلام وحتى إلى يومنا هذا ، ويشترط في تأسيسها أن يكون موقع المكان عذري طاهر خالي من الشوائب وليس في ملك أحد ،إنه بيت من بيوت الله ، وحتى الباني الذي يصرف أمواله في شأن تأسيسها ،يكون إرتباطه بها مجرد لباس ثقافي إجتماعي غايته التقرب إلى الله . يتحدث إبن أبي زرع في كتاب القرطاس أنه عندما عزمت فاطمة الفهرية علي بناء جامع القرويين ، أختير المكان فبني الجامع بمواد البناء المستخرجة من نفس موقع البناء وذلك لدفع كل الشبهات .(5)
أما إرتباط حرف الكاف في الكلام بمفهوم الموقع والأرض والحركة عليها فموجود في جميع اللهجات العربية بما فبها الأمازيغية .
لذا يمكن القول أن حرف الكاف في البلاد العربية وعلى طول تاريخها هو حرف الأرض والمكان بإمتياز لا يعادله ويجاريه أي حرف آخرفي هذا الإرتباط ، وإن إستغربت
فجرب البحث عن جذر حرف الكاف وعلاقته بالتواجد في الواقع في الكلمات التالية : كان، إنك ، كذلك ، لكن ، كل ، الكنيسة ،النكبة ، الكرسي، الكُلاب ،الكهف، الكمياء ، الكنية ، الكلام ، إكـَّا ، كي ،كشف ، شك َّ ،أكنون ، إكاون ، الركن، ترك ، كبس، سكَّ ،الكتاب ، كدَّ ، الكنُّ والإكنان ، الملك ، الكم ،الشكل ، الكنه ، والكرّ إلخ…


إنية" إن "
(يتبع)


(1)الفرابي ، كتاب الحروف ، ص 1 / الوراق
http://www.alwaraq.net/index2.htm?i=517&page=1
(2)
MESOPOTAMIA( historia politica,economica y cultural)
Edi.AKAL ,1987
(3)
H.P.Blavatsky, Glosario Teosofico,editorial humanitas,Barcelona 1996

(4)
الندبية : نسبة إلى الندبة وهي شعائر الإحتفالات الموسمية للأماكن المقدسة ، كانت تسمى هاته الشعائر بالندبة في عبلة قرب حلب .
EL ANTIGUO ORIENTE( Historia ,sociedad y economia),
MarioLiverani,critica/arqueologia,Barcelona 1995

(5)
إبن أبي زرع ، كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس . ص: 30


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ